أتصور أننا وبعد نقاط المداد السابقة ، نقترب من تخوم الشعار / السياسة / الإستراتيجية التي تتبني فكرة " مصر أولاً " ، بعد أن تناولنا سابقا مقدمات نظرية حول فكرة " الدولة الوطنية " ، وأبحرنا بعض الشئ في المياه الضحلة التي تحيط بهذه الفكرة في الشرق الأوسط ، وكيف أن مصر لها وضعها الخاص في هذا الإطار ..
في هذه الحلقة ، أو نقطة المداد ، سوف نسعي لتشريح " فلسفة العزلة " علي المستوي الدولي، بخصائصها السياسية والقانونية والتاريخية ، كي نبحث فيما بعد مدي إمكانية تطبيق ذلك في الحالة المصرية .
إن فكرة الانعزالية أو الحياد تهدف في الأساس إلى تفادي التورّط في صراعات دولية، وهي تبدو جذّابة نظريًا، لكنها في الواقع أكثر تعقيدًا بكثير مما يبدو في الظاهر . وسوف نحاول تفكيكها عبر ثلاث زوايا: من زاوية التجارب التاريخية (أمريكا وسويسرا)، ومن زاوية موقف القانون الدولي، ثم من زاوية مدى قابليتها للتطبيق اليوم.
والمفهوم العام للانعزالية يتمثل في كونها توجه سياسي يقوم على تقليل التدخل في شؤون الدول الأخرى وتجنب التحالفات العسكرية ، والتركيز على الداخل سواء من زاوية الاقتصاد، أو سلامة المجتمع، وتحقيق الاستقرار، لكنها في التاريخ السياسي ليست دائمًا عزلة كاملة، بل غالبًا انتقائية.
فإذا نظرنا مثلاً إلي التجربة الأمريكية، نجد أنه منذ جورج واشنطن، كانت هناك نصيحة بتجنب “التحالفات الدائمة”، ثم جاء مبدأ مونرو (1823) كي يكرس رفض التدخل الأوروبي في الأمريكيتين مقابل عدم تدخل أمريكا في أوروبا.. ولكن ذلك لم يمنع من تورط أمريكا في الحرب العالمية الأولي ضد رغبة نسبة لا يستهان بها من سكان الولايات المتحدة الأمريكية، وقد بذل الرئيس الأمريكي آنذاك "ودرو ويلسون" مجهوداً جباراً ليؤمن موافقة الشعب علي دخول هذه الحرب، ولذلك نلاحظ أنه بعد انتهاء الحرب بإنتصار الحلفاء بقيادة أمريكا، عادت أمريكا إلى سياسة انعزالية نسبيًا، ليس هذا فحسب، بل أنها رفضت الانضمام إلى عصبة الأمم التي كانت من بين أفكار الرئيس ويلسون.
لكن هذا الميل الإنعزالي لم يحل دون اندلاع الحرب العالمية الثانية، وقد وجد الرئيس الأمريكي روزفلت أنه لا مفر من مشاركة أمريكا في تلك الحرب حماية لمصالحها العالمية، في وجه مقاومة داخلية شديدة، ولكن هجوم بيرل هاربور الياباني أجبر أمريكا على الدخول.
وقد أدي ذلك إلي تحول إستراتيجي هام في الفكر الأمريكي منذ 1945، حيث أصبحت أمريكا قوة دولية منخرطة (ناتو، قواعد عسكرية، تدخلات) ، ولم تعد الانعزالية خيارًا عمليًا لقوة عظمى.
نستخلص من ذلك فيما يتعلق بتجربة أمريكا في "العزلة الممتعة" التي كانت تتمتع بها ، أنها أدركت أن الانعزالية قد تؤخر التورط، لكنها لا تمنعه، خاصة إذا كانت الدولة ذات مصالح عالمية.
وإذا نظرنا إلي نموذج الحياد الذي عبرت عنه سويسرا أفضل تعبير، حيث أنه "حياد قانوني" تم تكريسه رسمياً في مؤتمر فيينا، وهكذا لم تشارك سويسرا في أي حرب عالمية، ويبدو أن هذا النموذج قد نجح لإستناد سويسرا إلي موقع جغرافي محصّن (جبال الألب) ، وقوة دفاعية داخلية قوية، واقتصاد مالي/مصرفي يخدم الجميع علي طرفي الحرب، وقبول دولي واسع بحيادها.
إلا أنه ينبغي مع ذلك ملاحظة أن سويسرا لم تكن "منعزلة" بشكل كامل عن المحيط الدولي، فهي مثلاً عضو في الأمم المتحدة منذ 2002 ، كما أنها تشارك في فرض عقوبات أحيانًا (مثلاً ضد روسيا) ، وهي علي كل حال تتأثر اقتصاديًا وسياسيًا بما يجري عالميًا .
وهكذا يمكن القول، علي ضوء التجربة السويسرية أن الحياد ممكن، لكنه نشط ومشروط وليس انسحابًا من العالم.
وفيما يتعلق بموقف القانون الدولي من الحياد، فأنه يعترف بالحياد، لكن بشروط:
• الدولة المحايدة تلتزم بعدم المشاركة في النزاعات المسلحة .
• لا تسمح تحت أي ظرف باستخدام أراضيها لأغراض عسكرية
وقد نظمت اتفاقيات لاهاي نظمت حقوق وواجبات الدول المحايدة.
ومع ذلك تجدر الإشارة إلي أن فكرة " الحياد " في الفقه القانوني الدولي الحديث، أصبحت تخضع لبعض القيود الحديثة فعلي سبيل المثال يفرض ميثاق الأمم المتحدة علي الدول الأعضاء (بدون إستثناء) وفي مجال الدفاع الجماعي، التزامات جماعية (مثل عقوبات، والمشاركة في عمليات حفظ سلام التي تطورت في الحالات التي تخضع للقانون الدولي الإنساني لتصل إلي حد "فرض السلام"، وهكذا قد يصعب البقاء “محايدًا تمامًا” في الوقت الحالي .
ومن جماع ما تقدم يمكن التوصل إلي صعوبة / إن لم يكن إستحالة / الانعزالية أو الحياد في العالم المعاصر، لأن أوضاع العولمة تُقيّد الانعزال، فضلاً عن أن الاقتصاد العالمي مترابط بشكل لا يسمح لأحد بالإنفصال عن سلاسل الإمداد، الطاقة والتكنولوجيا، فلا توجد دولة "منفصلة" بالكامل، خاصة وأن الأمن لم يعد محليًا، سواء في مواجهة الإرهاب العابر للحدود، أو في مجال الأمن السيبراني، بل أن النزاعات الإقليمية صارت كلها تتجاوز الحدود .
لذلك نجد أنه حتى الدول المحايدة منخرطة، كما رأينا مؤخراً أن السويد وفنلندا تخلتا عن الحياد وانضمتا إلى حلف الناتو بسبب التهديدات الأمنية .
أي أن الانعزالية الكاملة غير واقعية في العصر الحديث، وإن كان الحياد لا يزال ممكناً، إلا أنه يحتاج لتوافر قوة ذاتية (اقتصادية وعسكرية)، فضلاً عن قبول دولي، وإدارة ذكية للعلاقات الخارجية.
فهل تملك مصر في ظل الظروف الموضوعية حولها في الإقليم، وفروض موقعها الجغرافي ألا تدخل في الصراعات المحيطة بها، وأن تحافظ على استقلال القرار، ومع ذلك تحافظ علي بناء شبكة علاقات متوازنة؟ .
هل يمكن لدولة إقليمية في الشرق الأوسط (مثل مصر) أن تبني حيادا شبيها بسويسرا، أم أن موقعها الجغرافي والسياسي يفرض عليها دورًا أكثر انخراطًا؟
------------------------------------
بقلم: معصوم مرزوق
* مساعد وزير الخارجية الأسبق






